الشيخ محمد رشيد رضا

535

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

فِي مَعْرُوفٍ فَبايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) ومن المعلوم ان عقد المبايعة أعظم العقود في الأمم والدول فتقييد طاعة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم فيه بالمعروف دليل على أن التزام المعروف من أعظم أركان هذا الدين وشرعه ومن المعلوم في السنة ان مبايعته صلّى اللّه عليه وسلّم للرجال كانت مبنية على أصل مبايعته للنساء المنصوص في هذه الآية . وقال صلّى اللّه عليه وسلّم « إنما الطاعة في المعروف » وهو في مواضع من الصحيح وقد تقدم من هذه السورة ( الأعراف ) وصف النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في بشارة التوراة والإنجيل بأنه « يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ » وورد ذكر الامر بالمعروف والنهي عن المنكر فيما حكاه تعالى من وصية لقمان في السورة المسماة باسمه وهي مكية كالاعراف ثم تكرر ذكر المعروف في السور المدنية وأكثرها في بيان الأحكام الشرعية العملية وذلك في عشرات من الآيات بعضها في صفة الأمة الاسلامية وحكومتها وأكثرها في الاحكام الزوجية والمالية . فمن النوع الأول قوله تعالى في تعليل الاذن للمسلمين بالقتال من سورة الحج فذكر من صفات المأذون لهم به أنهم ظلموا وأخرجوا من ديارهم بغير حق لأجل توحيد اللّه تعالى ثم قال ( 22 : 41 الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ ) ومنه قوله تعالى في سورة آل عمران ( 3 : 103 وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) وقوله بعدها ( 109 كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ) وقوله عز وجل في سورة التوبة ( 9 : 71 وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ) الآية ثم قوله في صفاتهم منها ( التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ الْحامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ) فهذه الآيات أصول لا مندوحة للأمة عن التزامها في آدابها وتشريعها ومن النوع الثاني وهو ما ورد في الاحكام الفرعية قوله تعالى في الحقوق الزوجية من سورة البقرة ( 2 : 228 وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ) وهذه الآية ركن من أركان الحقوق الزوجية يفضل به الاسلام جميع الشرائع والقوانين